ابن باجة
57
رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة
والانسان الكامل الفطرة هو الذي فطر على أن يكون لنفسه . فبيّن ان الفطر الفائقة هي الفطر التي ينال بها العلم النظري » . ولكن استعمال المفهوم في الفقرة الأولى من هذه الرسالة استعمال غريب عن الخط المشائي ، وعن ابن باجة نفسه . اما الفقرات الثانية والثالثة والرابعة وهي التي تضع نوعا من التراتب المعرفي يجعل الأنبياء في القمة ، ثم أولياء اللّه ومنهم صحابة النبي ، ثم طائفة قليلة مثل أرسطو ، وهم الذين بلغوا إلى العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ورأوا يقينا انهم تبرءوا عن البدن وحصل لهم الكمال الذي هو السعادة القصوى ، فإنها تتعارض والمنحى العام للخطاب الفلسفي عند ابن باجة ابتداء من « تدبير المتوحد » ، كما تتعارض معاني المفاهيم المستعملة فيها ، مثل مفهوم العقل المستفاد ومفهوم الكمال ، مع معاني هذه المفاهيم نفسها عند ابن باجة . يضاف إلى ذلك ما تحمله هذه الفقرات من مفاهيم غير ارسطية لفظا ومعنى ، مثل مفهوم الفيض وبصائر القلوب وغيرها مما لا نجد له مثيلا في اي من نصوص ابن باجة شروحا كانت أو مؤلفات خاصة . واما الفقرة الموالية فقد كتبت في بدايتها بلغة وعظية ، ثم انتقلت إلى تفسير الجزء الأخير من فاتحة القرآن : « صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ » . وفي الفقرة الأخيرة التي تؤكد ان الفطر الفائقة تعلم ما شان الانسان ان يعلمه بالتعلم تعارض صريح والتعليم الباجوي كما ورد في « تدبير المتوحد » وفي غيره من الرسائل اللاحقة عليه . ويكفي في هذا الصدد ان نحيل إلى نقد ابن باجة للطريق الصوفي ، وهو النقد الذي يختلف عن كل ما ورد في هذه الرسالة وفي غيرها عن الموضوع . 6 - نظر آخر [ فيض العلم الإلهي ] تتناول هذه الرسالة مسألة واحدة هي فيض علم اللّه على الموجودات والمخلوقات ، وقبول هذه للعلم الإلهي بحسب مرتبة كل واحد منها في كمال الوجود ، وذلك يتم اما بوساطة الملائكة أو بتوسط عقل أعلى من الانسان . اما الموجودات المشار إليها فهي على صنفين : العقول والاجرام . ويتخلل الحديث